السيد محمد حسين فضل الله

18

من وحي القرآن

خلقها اللّه ، حين لم يكن هناك أيّ موجود يعي ذلك بفكره وعقله ، ولم يكن هناك إلّا هو . ولكن ، لن يستطيع أحد أن يدرك كيف حدث هذا ، وماذا كان قبل خلق السماوات والأرض ، وما صورة الكون في ذلك الوقت ، وما أبعاد الزمن ، إذ لم تكن مقاييسنا الفلكية لحركة الزمن قد وجدت آنذاك ، وليس عندنا من خلال المعرفة الذاتية ، المنطلقة من مواقع التأمّل والملاحظة والتجربة ما يعطينا المعرفة الكافية حول كل علامات الاستفهام وغيرها . . . وكل ما هناك ليس إلا تخمينا يتخبّط في ظلام الشك ، وضباب الوهم . ولكن اللّه لم يحجب عنا علمه ، فقد أوحى اللّه لرسله ببعض اللمحات ، التي توضح بعض ملامح الصورة ، بالمستوى الذي لا يخرجنا من آفاق الضباب ، لأن ما أراد اللّه لنا أن نعلمه ، هو بعض لمحات الصورة ، لا كلها ، وفي هذا المجال ، فليس لنا إلّا أن نقف حيث أراد اللّه لنا أن نقف ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ قد تقدم الحديث عن هذه الفقرة في صورة الأعراف في الآية 54 ، وربما كان من المفيد الإشارة إلى أن تقدير اليوم بالفترة الزمنية المحددة لليوم في هذا الكون الذي نعيش فيه الآن ، لا دليل عليه ، إلا بما يتبادر إلى الذهن من أن إطلاق الخطاب القرآني يوجب انصراف الذهن إلى ما يفهمه الناس الذين أنزل عليهم القرآن ، ولو كان المراد غيره ، لبيّن لنا حدوده كما ورد في الحديث عن يوم الآخرة في تقديره بألف سنة ، أو خمسين ألف سنة ، حسب اختلاف الموارد ، والظاهر من خلق السماوات والأرض في ستة أيّام ، إتمام عملية الخلق بجميع ما قدّره اللّه فيها من أنظمة وموجودات ، فلا ينافي ذلك ما ورد في سورة حكم السجدة من خلق السماوات في يومين ، وخلق الأرض في يومين مما سيأتي الحديث عنه في محله في السورة المذكورة إن شاء اللّه . وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ فلم يكن هناك إلا الماء الذي كان مظهر قدرة اللّه وسلطانه ، مما أستعير له لفظ « العرش » وهو التعبير الكنائي عن موضع